محمود محمود الغراب
9
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
ولهذا باين خلقه بقدمه ، كما باينوه بحدوثهم ، واجتمعت الحضرتان - حضرة الحق وحضرة الخلق - في أن كل واحدة منهما معقولة من ثلاث حقائق ، ذات ، وصفة ، ورابطة بين الصفة والموصوف بها ، غير أن العبد له ثلاثة أحوال : حالة مع نفسه لا غير - في الوقت الذي يكون فيه نائم القلب عن كل شيء - وحالة مع اللّه ، وحالة مع العالم ، والباري سبحانه مباين لنا ، فإن له حالين : حال من أجله ، وحال من أجل خلقه ، وليس فوقه موجود ، فيكون له تعالى وصف تعلق به . ( ف ح 1 / 33 ، 53 ) الحقيقة الكونية : الحقيقة الكونية على ثلاث مراتب : علوية وهي المعقولات ، وهي مرتبة للمعاني المجردة عن المواد التي من شأنها أن تدرك بالعقول ، وسفلية وهي المحسوسات ، من شأنها أن تدرك بالحواس ، وبرزخية ومن شأنها أن تدرك بالعقل والحواس ، وهي المتخيلات ، وهي تشكل المعاني في الصور المحسوسة ، وما تصوره القوة المصورة الخادمة للعقل ، وأجرى اللّه تعالى المعاني في المخاطبات ، مجرى المحسوسات في الصور ، التي تقبل التجزي والانقسام والقلة والكثرة ، وجعل محل ذلك حضرة الخيال ، فتحصر المعاني في الخطاب ، فتتلقاها بالتشبيه العقول ، كما تتلقى بالمحسوسات التي شبهت بها هذه المعاني ، التي ليس من شأنها بالنظر إلى ذاتها ، أن تكون متميزة أو منقسمة ، أو قليلة أو كثيرة ، أو ذات حد ومقدار وكيف وكم ، وجعل لنا الدليل على قبول ما أتى به من هذا القبيل في هذه الصورة ، ما يراه النائم في نومه ، من العلم في صورة اللبن ، فيشربه حتى يرى الري يخرج من أظفاره ، فقيل له : ما أولته يا رسول اللّه ؟ يريد ما تؤول إليه صورة ما رأيت ؟ فقال : العلم ، ومعلوم أن العلم ليس بجسم يسمى لبنا ، ولا هو لبن ، وإنما هو معنى مجرد عن الصور التي من شأنها أن تدركها الحواس ، ولولا مناسبة بين العلم واللبن جامعة ، ما ظهر بصورته في عالم الخيال ، عرف ذلك من عرفه ، وجهله من جهله « 1 » ، وكان من تلك الحضرة ، ما قال الشارع في تقسيم العقول على الناس كما تقسم الحبوب ، فمن الناس من حصل له من العقل - الممثل
--> ( 1 ) المناسبة هو أن اللبن غذاء الأشباح فطرة ، والعلم غذاء الأرواح .